تمهيد:
ظهرت التخاصية في مختلف أنحاء العالم منذ بداية الثمانينات كأداة لرفع الكفاءة والتنمية وتحسين أداء المؤسسات العامة، وكإحدى السياسات المتوازية التي اتبعتها العديد من الدول النامية ضمن إطار عمليات إعادة الهيكلة والتصحيح الاقتصادي، وكذلك في سياق تحول اقتصادات الدول المخططة مركزيا في وسط وشرق أوروبا نحو اقتصاديات السوق.
وبالنسبة للأردن، فقد تبنى منذ نشأته نظام الاقتصاد الحر الذي يمنح القطاع الخاص الدور الرئيس في النشاط الاقتصادي، إلا أن عوامل عديدة أدت إلى تنمية وتوسيع دور القطاع العام في بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية، وبالأخص خلال عقدي السبعينات والثمانينات، بوتيرة عالية أدت إلى تقليص دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي. وقد ترتب على هذا التوسع في دور القطاع العام حدوث اختلالات هيكلية عميقة في البنية الاقتصادية وتدني مستوى الإنتاجية والكفاءة الاقتصادية، وتفاقم العجز المالي في المالية العامة، وحيث رافق ذلك انخفاض المساعدات الخارجية و نضوب الاحتياطي من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي ، فقد ترتب على ذلك كله تعرّض الأردن في أواخر الثمانينيات إلى أزمة اقتصادية نتيجة ل ارتفاع رصيد الدين العام وأعباء خدمته و ارتفاع العجز في ميزاني التجارة والمدفوعات .
ولتصحيح الاختلالات، وإعادة الاستقرار المالي والنقدي، وتوفير البيئة المناسبة لاستئناف النمو الاقتصادي بمعدلات مستدامة، تبنى الأردن برامج وطنية للتصحيح الاقتصادي مكنته من استعادة الاستقرار النقدي وضبط العجز في الموازنة العامة وتخفيض المديونية العامة وبناء احتياطي مريح من العملات الأجنبية وتحقيق نمو اقتصادي بمعدلات مرتفعة نسبياً تجاوزت في بعض السنوات نسبة 7%.
وقد جاء تبني برنامج التخاصية الأردني في أواخر العام 1996كجزء محوري وأساسي لتوفير متطلبات النجاح لبرامج التصحيح في تحقيق أهدافها المتعلقة برفع الكفاءة الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحفيز الادخار المحلي وجذب الاستثمارات الجديدة وتعميق سوق رأس المال المحلي، وبالأخص إزاء تبني الأردن لسياسات الانفتاح والتحرر الاقتصادي، والتي تمثلت في توقيع اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وتوقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى الاتفاقيات الأخرى كاتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
تنفيذ البرنامج :
أطلق برنامج التخاصية الأردني في أواخر العام 1996حيث قرّر مجلس الوزراء الموقر بتاريخ 6/7/1996تشكيل لجنة وزارية عليا برئاسة دولة رئيس الوزراء تتولى إدارة البرنامج، وإنشاء وحدة فنية في ملاك رئاسة الوزراء/الوحدة التنفيذية للتخاصية لتنفيذ القرارات المتخذة من قبل اللجنة العليا بالتعاون مع الوزارات والدوائر ذات العلاقة وذلك من خلال تشكيل لجان توجيهية وفنية لكل مشروع تضم كافة الجهات ذات العلاقة.
وقد ارتكز تنفيذ برنامج التخاصية الأردني إلى أسس ومنطلقات عامة وآليات وتحديد أولويات للتنفيذ تم تضمينها جميعها في وثيقة " الإستراتيجية الوطنية للتخاصية " والتي تبنتها الحكومة في العام 1999 وذلك لتأطير عملية التنفيذ للبرنامج بما يضمن تحقيق الأهداف المرجوة. وقد عرضتها الحكومة على مجلسي النواب والأعيان الأردني وتم إقرارها من قبلهما بعد نقاش مستفيض.
كذلك فقد تم إصدار قانون للتخاصية في العام 2000 بناء على طلب مجلس الأمة الأردني والذي تضمن تحديد مفهوم التخاصية، وأهداف البرنامج، و أساليب التنفيذ، وإنشاء صندوق لعوائد التخاصية، وتحديد مجالات الإنفاق منه. كذلك تضمن القانون تأليف مجلس التخاصية برئاسة دولة رئيس الوزراء وعضوية الوزراء الاقتصاديين وذوي الخبرة والاختصاص ليصبح الخلف الواقعي للجنة العليا للتخاصية، وكذلك إنشاء الهيئة التنفيذية للتخاصية خلفا للوحدة .
ويتلخص مفهوم التخاصية الذي تبناه البرنامج في أن التخاصية "عملية منهجية منظمة تهدف إلى تهيئة البيئة الداعمة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتتمثل في إعادة توزيع الأدوار ما بين القطاعين العام والخاص، بحيث تتفرغ الحكومة لمهماتها الأساسية في رسم السياسات والرقابة والتنظيم والتركيز على الأنشطة التي هي من صميم عملها كالأمن الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والمحافظة على البيئة، بينما تتسع دائرة نشاط القطاع الخاص، بعيدا عن الاحتكار، لتشمل مشاريع القطاع العام التي يمكن أن تدار على أسس تجارية ومالية.
وقد شمل البرنامج خصخصة 71 مشروعاً تشمل حصص الحكومة في 51 شركة مساهمة كانت مدرجة في محفظة المؤسسة الأردنية للاستثمار مقابل عوائد فاقت 2.6 مليار دولار أمريكي كما ارتبطت بعض عمليات الخصخصة بجذب استثمارات جديدة إلى القطاعات والمشروعات التي تمت خصخصتها كالاتصالات والسياحة والنقل والمياه فاقت المليار دولار. وقد تم توظيف جانب من العوائد في تمويل التنمية الاقتصادية في المملكة من خلال تمويل عدد من مشروعات برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي إضافة إلى تمويل مشاريع اقتصادية واجتماعية حيوية كالمياه والجامعات والمستشفيات والإسكان المدني والعسكري وغيرها.
من جهة أخرى أدى فتح عدة قطاعات اقتصادية أمام القطاع الخاص، والتي كانت قبل ذلك حكرا على الحكومة، كالاتصالات والكهرباء والنقل العام والإسمنت والمياه إلى تعزيز انتشار الخدمة ورفع مستوى جودتها، وكذلك توفير الاستثمارات المطلوبة في هذه القطاعات، إضافة إلى إدخال التكنولوجيا الحديثة المتطورة، وتوفير التدريب للكوادر العاملة، وخلق فرص عمل جديدة مباشرة وغير مباشرة. كما أسهم برنامج التخاصية بصورة كبيرة في تعميق السوق المالي وزيادة رسملته. كما تم إعادة تشغيل شركات متعثرة كان سيتم تصفيتها، وفقا لقانون الشركات، إلا أنه تم المحافظة عليها من خلال بيعها إلى القطاع الخاص كشركة الأخشاب وشركة الإنتاج التلفزيوني.